تأملات في سيرة حياة العذراء مريم والدة الله
سلسلة حلقات تسلط الضوء على سيرة حياة العذراء مريم والدة الله
1-العذراء مريم منذ ولادتها ولغاية رحلة يوسف ومريم الى بيت لحم قبل ان تتم ايامها للولادة.
2-العذراء مريم من ولادة الرب يسوع ولغاية القيامة.
3-العذراء مريم بعد القيامة ولغاية انتقالها الى السماء.
4-العقائد المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية والخاصة بالعذراء مريم واسس اعتمادها.
الحلقة الاولى:
العذراء مريم منذ ولادتها ولغاية رحلة يوسف ومريم الى بيت لحم قبل ان تتم ايامها للولادة.
لا تروي الاناجيل الاربعة او اية كتابات مسيحية رسمية الكثير عن طفولة مريم العذراء او حياتها قبل البشارة لكن هناك عدد من الكتب الابوكريفية التي لم تعتمد في الكنيسة ككتب رسمية لعدم صحة نسبتها الى التلاميذ الاثني عشر او شخصيات مقربة منهم او لكتابتها في تاريخ متاخر عن سائر المؤلفات التي تدعى بالقانونية او حتى بسبب اسلوب كتابتها الضعيف تتناول حياة مريم المبكرة بشكل مفصل.
وبالرغم من عدم ذكر الاناجيل الرسمية عن طفولة العذراء شئ يحوي تقويم الاعياد والمناسبات الدينية اعيادا خاصة بسيرة العذراء مريم وطفولتها وحياتها وقد تم تثبيت هذه الاعياد رسميا نظرا لاعتمادها من قبل اباء الكنيسة ومؤلفاتهم وسيتم ذكر هذه المناسبات وربطها بحياة العذراء لاحقا وحسب كل مرحلة من مراحل حياتها.
سنحاول عند السرد التاريخي الاعتماد على ماتم الاعتراف به من قبل الكنيسة الكاثوليكية اضافة الى بعض الاستنتاجات المنطقية التي يمكن ان يستنتجها المرء عند قراءته جميع المصادر عن سيرة العذراء سواء المعترف بها او التي لم يعترف بها.
-اسم مريم جاء لاول مرة في الكتاب المقدس (العهد القديم) في سفر العدد 26:59 عندما ذكر ان عمرام وزوجته يوكابد انجبا موسى وهارون ومريم. ومريم هذه كانت اخت موسى وشاركت اخويها في رحلتهم وذكرت اكثر من مرة في العهد القديم.
-مريم اسم عبري يعني ( مرارة ) وفي الارامية يعني ( الأميرة) .
في زمن تشير المصادر والتقديرات انه العام 17 قبل الميلاد كان هناك في مدينة الناصرة بالجليل زوجان طاعنان في السن ولم يكون لهما ذرية هما الشيخ يوياقيم وزوجته حنة حيث كانت حنة عاقرة.
-يوياقيم هذا كان من سبط يهوذا ويعود نسبه الى الملك سليمان ابن داوود اي انه من نسل ملوكي.
-حنة كانت ابنة ماثان من سبط لاوي ومن نسل هارون الكاهن اي ان نسلها كهنوتي.
كانت الشريعة اليهودية في حينه تعتبر عدم الانجاب عار على الزوجين ولذلك كان يوياقيم يحرم من تقديم القرابين في الهيكل بسبب هذا العار.
كان يوياقيم قد كرس حياته للصلاة الى الله والدعاء لكي يرفع عنه هذا العار رغم تقدمه في السن وهكذا كانت حنة ايضا تقضي معظم وقتها في الدعاء وكانت قد نذرت انه اذا استجاب الرب لطلبها فانها تنذر ذريتها لخدمة هيكل الرب.
فلما جاء ملء الزمان المعين حسب التدبير الالهي وفيما كان يوياقيم في الجبل يدعو ربه جاءه الملاك ليبشره ان الرب استجاب دعاؤه وانه سيرزق بطفلة يسميها مريم وسيكون لها شأنا عظيما عند شعبها. وفي نفس الوقت ظهر الملاك لزوجته حنة وهي في الدار ليبشرها ذات البشارة وظهر لرئيس الكهنة يدعوه لقبول قرابين يوياقيم لان الله استجاب لصلاته وان زوجته ستحبل. وعند عودة يوياقيم استقبلته زوجته وهي فرحة ( يوياقيم! سيرفع عنا العار! والعاقر ستحبل الرب اكرمني وهذه بشارة الرب لنا ).
اصبحت حنة حامل من تلك اللحظة وقد وضعت الكنيسة في التقويم الكنسي عيدا لهذا الحدث بتاريخ الثامن من شهر كانون الثاني من كل عام وبذلك ياتي يوم ولادة العذراء بعد تسعة اشهر من هذا التاريخ اي في 8/9 من كل عام وقد تم تثبيت هذا التاريخ ايضا في التقويم الكنسي.
ان عيد 8/12 هو يوم حبلت القديسة حنا بالعذراء مريم التي هي الفجر للبشر حيث بزوغ الفجر يعني شروق الشمس اصبح قريبا وقدوم النور بعد الظلام صار وشيكا والخلاص من الخطيئة سيأتي بولادة مخلصنا يسوع المسيح من مريم العذراء.
( سنتطرق في الحلقة الاخيرة" بأجزائها ألخمسة" من هذا المسلسل الى هذا الحدث وكيف ان الكنيسة اقرت ان مريم العذراء محبول بها بلا دنس وكيف ان الرب خلصها من الخطيئة الاصليه ونظفها لتكون مسكنا له وكان خلاصها قبل كل البشر وبطريقة خاصة تمهيدا لخلاص العالم بدم الرب يسوع وبذلك استحقت العذراء لقب حواء العهد الجديد ).
وبعد ان اكملت حنة تسعة اشهر وضعت طفلتها في الثامن من ايلول
( حسب التقديرات كان العام 16 قبل الميلاد ) وكانت طفلة في غاية الحسن والجمال وسمتها مريم كما قال لها الملاك وكما بشر يوياقيم بمولد ابنة اسمها مريم. وتحتفل الكنيسة بعيد ميلاد العذراء كل عام في هذا التاريخ.
وعندما بلغت مريم من العمر ثلاث سنوات جاء بها والداها وادخلاها الهيكل لتخدم فيه وفاءا لنذرهما ( تشير اغلب المصادر التاريخية ان هذا الحدث حصل في 21 من شهر كانون الثاني من العام 13 قبل الميلاد ) فقبلها رئيس الكهنة وادخلها الى قدس الاقداس بالهام الروح القدس وهناك تثقفت العذراء في العهد القديم .
وفي وقت اقامتها في الهيكل مات والداها, ولما بلغت ( كان البلوغ حسب الشريعة اليهودية انذاك هو بلوغ الفتاة 12 سنة من العمر ) اخذ الكهنة يتشاورون كيف يخرجوها من الهيكل بعد بلوغها وهي غير مخطوبة
( اي بذمة رجل ) حيث لم يكن مسموحا حسب الشريعة لابقاء فتاة بالغة تخدم في الهيكل دون ان تكون بذمة رجل فتقدم لخطبتها عدد من المقربين تقول بعض المصادر انهم 12 ومصادر اخرى تقول انهم 7 واتفق الكهنة ان تكون هناك علامة من الرب في اختيار خطيب مريم لذلك اخذوا عصا من كل متقدم ووضعوها في الهيكل وطلبوا من الرب ان يظهر اختياره.
وفي صباح اليوم التالي كانت عصا يوسف النجار هي التي اخضرت وكان يوسف هذا صديقا وبارا وتمت الخطوبة واخذ يوسف يرعى مريم وينتظر اليوم الذي سيعلن فيه الزفاف بحفل الزفاف ليأخذ عروسه الى بيته.
وكانت الخطوبة تعني ارتباط نهائي ولا يمكن فسخ الخطوبة الا بالطلاق الا انها تصبح زوجته فقط عندما يعلن حفل الزفاف وتنتقل الى دار الزوج.
وقبل ان يتم ذلك وعندما كانت مريم تقرأ في الكتاب المقدس –العهد القديم- ظهر لها الملاك جبرائيل مرسل من الله وقال لها ( السلام عليك يا مريم الممتلئة نعمة الرب معك) فاضطربت لهذا الكلام اضطراب شديد وسألت نفسها مامعنى هذا السلام فقال لها الملاك ( لا تخافي يا مريم فقد نلت حظوة عند الله فستحبلين وتلدين ابنا فسميه يسوع سيكون عظيما وابن العلي يدعى ويوليه الرب الاله عرش ابيه داود ويملك على بيت يعقوب ابد الدهر ولن يكون لملكه نهاية) فقالت مريم للملاك ( كيف يكون هذا وانا لا اعرف رجلا ) فاجابها الملاك( ان الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك لذلك يكون المولود قدوسا وابن العلي يدعى وها إن نسيبتك اليصابات قد حبلت هي ايضا بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك التي كانت تدعى عاقرا فما من شيء يعجز الله ) فقالت مريم ( انا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك).لوقا 26:1-38
وبعد فترة وفيما كان يوسف يرعاها بين الحين والاخر وجدها حبلى قبل ان يأتي بها الى داره وحيث ان يوسف كان بارا فلم يرد ان يشهر امرها فعزم ان يطلقها سرا فتراءى له ملاك الرب في الحلم وقال له ( يا يوسف ابن داود لا تخف ان تاتي بامرأتك مريم الى بيتك فان الذي كون فيها هو من الروح القدس وستلد ابنا فسمه يسوع لانه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم) فلما قام يوسف من النوم فعل كما امره ملاك الرب فاتى امرأته الى بيته بموجب الطقوس اليهودية انذاك.متي 18:1-25
وبعد ذلك قامت مريم فمضت مسرعة الى الجبل الى مدينة في يهوذا ودخلت بيت زكريا فسلمت على اليصابات فلما سمعت اليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها وامتلات من الروح القدس فهتفت باعلى صوتها ( مباركة انت في النساء ومباركة ثمرة بطنك من اين لي ان تاتيني ام ربي؟ فما ان وقع صوت سلامك في اذني حتى ارتكض الجنين ابتهاجا في بطني فطوبى لمن آمنت فسيتم ما بلغها من عند الرب).
وهنا انشدت مريم نشيدها المعروف (تعظم الرب نفسي وتبتهج روحي بالله مخلصي لانه نظر الى امته الوضيعة سوف تهنئني بعد اليوم جميع الاجيال لان القدير صنع لي امور عظيمة ........الى نهاية النشيد).لوقا 46:1-56 واقامت مريم عند اليصابات نحو ثلاثة اشهر . وتشير اغلب المصادر والتوقعات ان مريم بقت عند اليصابات الى ان ولدت اليصابات وتم تسمية المولود في اليوم الثامن باسم يوحنا كما كان قد سماه ملاك الرب عند بشارته لزكريا.
وبعد رجوع مريم الى الناصرة مكثت في بيت يوسف الى ان جاء وقت الاحصاء ليكتتب كل واحد في مدينته فاخذ يوسف مريم وهي حامل وفي فترة حملها الاخيرة وصعد بها الى بيت لحم ليكتتب هناك لانه كان من بيت داود ومن عشيرته.
في الحلقة القادمة سنتطرق الى حدث ميلاد الرب يسوع ونكمل سيرة العذراء مريم والدة الله.
الشماس
الدكتور جورج مرقس منصور
مدينة ويندزر- كندا













