الحلقة الثالثة
العذراء مريم بعد القيامة ولغاية انتقالها الى السماء
المصادر الكنسية تذكر ان مريم العذراء قد انضمت الى بيت يوحنا بن زبدي بعد القيامة كما كان يسوع قد اوصى وهو على الصليب.
تذكر مريم في سفر اعمال الرسل بعد الرجوع من جبل الزيتون عندما صعد الرب الى السماء (اعمال 12:1-15), حيث كانت مع التلاميذ الاحد عشر وبعض النسوة لم تتم تسميتهم في السفر باستثناء العذراء مريم فقد تم ذكرها بالاسم.
شاركت العذراء ايضا عملية اختيار متياس الرسول بدلا من الخائن يهوذا الاسخريوطي قبل البدء بالتبشير برسالة الرب يسوع.
وكانت حاضرة يوم حلول الروح القدس على التلاميذ ليقويهم فيكونوا رسل المسيح على الارض وبذلك تكون العذراء قد حل عليها الله باقانيمه الثلاثة ,ففي البشارة قال لها الملاك (الرب معك) (ابن العلي يدعى) ( ان الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك) لوقا 1: 28 – 35. وعندما حل الروح القدس بعد صعود الرب اصبحت العذراء القديسة قد حل عليها الروح القدس مرتين وابن الله تجسد منها وكلمة الله الاب حلت فيها (في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله والكلمة هو الله. يوحنا 1: 1 – 3). والكلمة صار جسدا وحل فينا عن طريق العذراء مريم.
وتذكر المصادر ان العذراء سكنت في بيت يوحنا الحبيب في اورشليم عدة سنين قبل ان تنتقل واياه الى افسس لان يوحنا كان مكلفا بالتبشير هناك حسب عملية القرعة التي اجراها التلاميذ لمعرفة الوجهة التي يتوجهها كل واحد للتبشير ولتغطية ارجاء المعمورة وكما قال لهم الرب (اذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس وعلموهم ان يحفضوا كل ما اوصيتكم به وها انا ذا معكم طوال الايام الى نهاية العالم.متي 18:28-19).
حياة مريم العذراء كانت هادئة خلال تلك الفترة وقد التقت لوقا خلال وجودها في افسس وكان هذا اللقاء ذو اهمية كبيرة حيث نقل لوقا عنها مباشرة حقائق كثيرة وخاصة عن ولادة الرب يسوع والتي تعتمدها الكنيسة الان كونها جزء من انجيل لوقا.
ساهمت العذراء ايضا بتاسيس كنيسة افسس وكنيسة فيليبي والتي كانت اولى الكنائس في المسيحية والتي سميت باسم العذراء.
خلال وجودها هناك وزيارة لوقا لها , رسم لوقا اولى الايقونات لها حيث ان لوقا بالاضافة الى انه كان طبيبا كانت له مواهب فنية في الرسم والنحت وتعتمد الملامح التي رسمها لوقا للعذراء الى يومنا هذا.
عاشت مريم السنتين الاخيرة من عمرها في بيت لحم حيث تحكي بعض القصائد الشعرية انها تمرضت وتحكي عدة مصادر قصة انتقالها الى السماء.
اما الاناجيل المقدسة القانونية فحديثها عن العذراء محدود وقلما تذكر في مناسبات معدودة فلا ذكر لرقادها او صعودها الى السماء بشكل مباشر الا ان هناك ايات مبطنة ذهبت تفاسيرها باتجاه ذلك.
- في (سفر التكوين 15:3-16 ) انتصار العذراء مع ابنها على الموت.
- انجيل لوقا يذكر في الفصل الاول( مريم ممتلئة نعمة ومباركة بين النساء).
- رسالة القديس بولس الى اهل رومية يحكي بولس مبدأ الروح والجسد (1:8-18 ) ويستخلص عند اكمال حديثه اننا اذا شاركنا المسيح في الامه نشاركه في مجده ايضا.
فموضوع الانتقال ايضا يستند الى ايمان الاجيال بهذه العقيدة وقد ورثته من الرسل والاباء القديسين كما ان الحجج اللاهوتية المستنتجة تدعم هذه العقيدة خصوصا من عقيدة الامومة الالهية.
المصادر التي تحكي قصة انتقال مريم العذراء عديدة وعند الاطلاع عليها جميعا استطعنا تكوين فكرة ملخصة عنها:
فلما بلغت العذراء حوالي الستين من العمر جاءها الملاك قبل عدة ايام من انتقالها ليبشرها برغبة ابنها الانتقال عنده ففرحت مريم وصلت شاكرة الله وطلبت ان ترى اولادها الروحانيين اي الرسل الاطهار واللذين كانوا متفرقين في كافة أرجاء المعمورة فاذا بسحابة تخطفهم في اليوم الخامس عشر من شهر اب وتجمعهم لدى الام البتول ( الا توما مرة اخرى تغيب عن الحضور) وتغيب توما هذا تدبير الهي كما كان يوم شكك بقيامة الرب حين قال له (لانك رايت امنت طوبى للذين لم يروا وامنوا).
فرحت العذراء عندما رأت التلاميذ مجتمعين لديها بمعجزة الهية وكانت توصيهم بالايمان والبشارة,وصلت من اجل سلام العالم وكنيسة المسيح واضطجعت كما ارادت واسلمت روحها الى ابنها.
اما الرسل فقد حملوا السرير بموكب جنائزي مهيب الى القبر الذي أعدوه لها في قرية الجسمانية, وتحكي بعض المصادر انه بينما كانت الجنازة في الطريق حاول بعض اليهود اعتراض طريقها وقد حاول احدهم وهو من عشيرة الكهنة واسمه اثاناس ان يمد يده الى النعش قاصدا اسقاطه على الارض وهو محمولا من قبل الرسل فاذا بسيف يقطع يديه الاثنين فخاف اليهود وآمن قوم كثير منهم.وبعد ان وضعوا الجسد في القبر بدأوا يسمعون اصوات الملائكة قادمة من القبر ترتل وتسبح لله وكانت رائحة البخور تفوح من القبر.فلم يفارق التلاميذ القبر وكانوا ساجدين يصلون ويرتلون وظلوا على هذا الحال اسبوعا كاملا, الا ان اصوات الملائكة انقطعت بعد اليوم الثالث.
اما توما الرسول فلم يكن حاضرا رقاد العذراء وقد كان في الهند وحضر بقدرة الهية بعد انقضاء اليوم الثالث. وعندما حكى التلاميذ قصة العذراء له وقصة الملائكة المرتلين, اصر ان ينظر جسد والدة الله وقال انتم تعرفون انني شككت في قيامة المسيح الى ان رايت بعيني.ذهبوا به للقبر وعندما رفعوا الحجر عن باب القبر لم يجدوا الجسد وكان القبر فارغا والاكفان وحدها , هنا قال لهم توما ساحكي لكم قصتي اذن حيث ان إصراري لرؤية جسد العذراء كان لكي اتاكد مما حصل لي:
اخذتني سحابة من الهند وفي الطريق رأيت كوكبة من الملائكة حاملين جسد العذراء فصاح بي احدهم تعال يا توما وتبارك بام الله وعندما اقتربت تباركت بجسدها وقبلته واعطتني زنارها وها هو معي وقالت هذا الزنار تذكار مني عندكم فانا ذاهبة الى حيث يكون ابني.
فامن الجميع ان العذراء انتقلت بالنفس والجسد الى ملكوت السماوات.
لقد اختار الله توما لهذه المهمة بحكمة وتدبير الهيين لانه كان معروف عنه انه لا يؤمن بسهولة وكان معروف بين زملائه انه شكاك . ويقال ان هذا الزنار محفوظ في احدى الكنائس في حمص بسوريا.
ان قبر العذراء موجود في الجسمانية لحد الان وبنى فوقه بطريرك القدس يوفينال كنيسة عام 430 ميلادي ثم بنى الامبراطور ماورينسبو كنيسة فوق القديمة عام 490 ميلادي.
طبعا القصة اعلاه وردت في مصادر لم تعترف بها الكنيسة لحد الان ولكن الكنيسة لها حجج لاهوتية وفلسفية ومنطقية تبني عليها عقيدة انتقال العذراء بالنفس والجسد..وفي الحلقة الاخيرة سنتطرق على كل المعتقدات الكنسية بخصوص العذراء ومنها عقيدة الانتقال بالنفس والجسد ونذكر الاسس التي تستند عليها الكنيسة في كل عقيدة.
الشماس
د. جورج مرقس منصور
ويندزر - كندا














